Tag Archives: الفليكس فيس

اللافتات الإعلانية ومراحل تطورها

قياسي

مدخــــــــل :

=========

عرفت اللافتات الإعلامية والإعلانية منذ عصور سحيقة , فعندما نتأمل الكثير من الآثار والمقابر نجد بأنه يعلوها لافتات اما تعويذية , أو تعريفية تبين اسم ذلك الأثر أو صاحب القبر, أو الغرض الذي شيد له ذلك المبنى أو أعدت له تلك الحجرة أو الضريح .

وأخرى دون عليها بعض الأوامر الملكية أو التشريعات والقوانين , او لتصف معركة من المعارك أو تسرد نتائجها كما هو واضح في العديد من نقوش المسند السبئية والحميرية في جنوب الجزيرة العربية , وأيضا الفرعونية أو البابلية وغيرها .

ثم بعد عدة عصور ظهرت لافتات أخرى ذات طابع إعلاني أو تجاري , لا نعرف تحديدا متى بدأت ولكنها حتما قد ظهرت منذ وقت طويل , ثم تطورت مع مرور السنين حتى أضحت على ذلك الشكل الذي استقرت عليه إلى نهاية القرن السادس عشر الميلادي .

وإذا كان تطور هذه اللافتات كان بطيئا جدا – فمع دخولنا للعصر الصناعي الحديث .. ومع القفزة العلمية والتكنولوجية الهائلة – فقد قفزت أيضا الصناعة الإعلانية إلى درجة مذهلة , ومع هذا التسارع الشديد خلال القرنين الماضيين فقد مرت صناعة الإعلان بعدة مراحل تبعا لكل فترة زمنية , وما يتوفر في كل حقبة من أدوات ومبتكرات .

وسوف نبدأ من بداية العصر الحديث في تتبع المراحل التي مرت بها اللافتات الإعلانية وعوامل تطورها .

والعصر الحديث يبدأ كما يرى بعض المؤرخين من منتصف القرن السابع عشر الميلادي , وهو الوقت الذي بدأت تظهر فيه أقوى الاكتشافات والاختراعات العلمية التي كانت القاعدة الأساس لانطلاقة عجلة التطور والرقي في مختلف مناحي الحياة , والتي نرى نتائجها اليوم بكل وضوح في كل أصقاع العالم , وعلى هذا فسوف نبدأ من هذا التاريخ للحديث عن تطور اللافتات الإعلانية , ونقسم هذه الفترة إلى عدة مراحل , تبعا لما تحتويه كل مرحلة من خصائص , سواء من حيث التطور الشامل بمحيط مجال الدعاية والإعلان , أو من حيث تطور صناعة الإعلان نفسه .

المرحلة الأولى : بداية تأسيس قاعدة فن الإعلان

===========================

وبدأت هذه المرحلة مع بداية العصر الحديث , ومع ما يطلق عليه ( الثورة الصناعية ) , فلعل هذه النهضة القوية التي انطلقت في كل المجالات قد فرضت على المجتمع الصناعي والتجاري ابتكار وسائل جديدة للترويج الدعائي للسلع والصناعات , فكانت هذه السبل والنوافذ هي النواة لما يعرف الآن ب ( صناعة الإعلان ) .

غير أن الوسائل الإعلانية في ذلك الزمن وخصوصا ( اللافتات ) كانت بسيطة جدا , , وكانت ذات أحجام صغيرة , وغالبيتها من الخشب المحفور أو المجسم , أو الكتابات على الصاج .

غير أنها كانت أنيقة جدا في كثير من الأحيان , وكان المؤسرين يتفاخرون بها ويتفننون في كتابتها وعمل الإطارات الجميلة والمزخرفة لها , ولعل هذا التفنن قد أصبح أشبه ما يكون بـ ( الموضة ) , ولذا فنحن نلاحظ بأن اللافتات وغيرها من المخطوطات كانت إلى منتصف القرن التاسع عشر تعلوها مسحة واضحة من الفخامة والأناقة , وبالطبع فهذا لم يكن مقتصرا على اللافتات الإعلانية فقط وإنما امتد لكل سبل الإعلام , مثل الكتب والصحف , والتحف والدروع وغير ذلك .

المرحلة الثانية : ( عصر الاكريليك ) acrylic

==========================

بعد اختراع الكهرباء بعد سلسلة طويلة من التجارب التي شارك فيها عدة من العلماء منذ منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر – كان لهذا الاختراع فائدة عظيمة للبشرية , وأعطت لمختلف الصناعات دفعة قوية إلى الأمام ومن بينها ( صناعة الإعلان ) , ولذا فقد بدأت مع هذه المرحلة ما يعرف باللافتات الكهربائية , وهي ثلاثة أنواع ارتبطت ارتباطا وثيقا بالكهرباء , وأيضا بمادة ( الاكريليك ) التي دخلت في مجال الإعلان ثم ساهمت بقوة في تقدمه, ولذا ظهرت عدة أنماط للافتات مثل :

1- اللافتات المضاءة خارجيا .

وهي لافتات يسلط عليها الضوء من الخارج ليتمكن المارة من قراءة محتوياتها ليلا .

2- اللافتات المضاءة داخليا .

وهي لافتات ذات مصابيح داخلية يضاء وجهها الأمامي كاملا .

3- اللافتات المضاءة كتابة .

وهي لافتات ذات أحرف مجوفة داخلها مصابيح كهربائية تجعل كل حرف من حروفها مضاء على حدة .

وبالطبع فلكل نوع من هذه الالتفات طرق مختلفة في تجهيزها , ولكل نوع منها موادها الخاصة وخاماتها .

فالنوع الأول قد تكون لافتة عادية من الخشب او الصاج أو حتى عبارة عن كتابة على جدار , ولا جديد فيها إلا جعل مصباح كهربائي يسلط ضوءه عليها على شكل ( كشاف ) .

اما النوع الثاني :

فقد ارتبطت صناعتها بمواد تم اختراعها منذ بداية القرن العشرين , ومن أبرزها ما يسمى بألواح الاكريليك (acrylic) وهي ألواح من البلاستيك ذات ألوان متعددة تسمح بنفاذ الضوء منها .

وهذا النوع عبارة عن صندوق من الخشب , تثبت داخله مصابيح مستطيلة , ثم يغطى وجه اللافتة بلوح من الاكريليك , فإذا ما كان الصندوق بنفس مقاس اللوح فهو يثبت كما هو , اما إذا كان الصندوق أكبر فعندها يتم وصل عدة الواح من الاكريليك بعضها ببعض ثم تثبت جمعيا على الوجه الأمامي للافتة .

وبلا ريب فإن مادة الاكريليك كانت نقلة نوعية في صناعة الاعلان , وتم الاستفادة من هذه المادة في كثير من الوسائل الدعائية والصناعية المرتبطة بفن الاعلان .

المرحلة الثالثة : ( عصر النيون ) neon

=======================

النيون عبارة عن مصابيح مستطيلة الشكل ذات أربعة أقطاب , كل قطبين منها في طرف , وهي ذات ضوء ابيض مائل إلى الزرقة وليس مصفر مثل المصابيح الدائرية ذات القطبين .

وهذه المصابيح تأتي عادة مع مكثف طاقة , ومن ابرز مميزاتها بأنها أطول عمرا ولا تسخن . إضافة إلى ضوءها الصافي . ولذا فقد كانت أكثر ملائمة لمجال الدعاية الإعلان .

وذا كان النوع البسيط منها المخترع في بدايات ظهور الكهرباء قد استخدم في اللافتات الإعلانية في مرحلتها الثانية – فقد استطاع المخترعين بعد زمن ان يطورا هذه المصابيح وان يجعلوها تتلائم مع متطلبات ورش الدعاية والاعلان , ومن هنا كانت الانطلاقة الأقوى لصناعة الإعلان ووضعت اللبنة الأولى لعصر جديد نستطيع تسميته ب ( عصر النيون ).

وهذه الصور تثبت ذلك

فقد مكن النيون فناني الإعلان من ابتكار العديد من الطرق لإخراج أعمالهم الدعائية , وتباروا في التميز والإتيان بكل ماهو مبهر وطريف وفريد , وعلى الرغم من التطور الصارخ للإعلان في هذا العصر- إلا أن النيون قد بقي له ذلك التوهج , ولا يزال له حضور بارزا إلى هذه اللحظة في كثير من شوارع العالم .

المرحلة الرابعة : (عصر الفليكس فيس ) flexface

=====================================

قبل نهاية القرن العشرين بعقدين من الزمن تقريبا – ظهرت مادة جديدة في عالم الدعاية والإعلان وهي مادة الفليكس فيس , وهي مادة لينة كالقماش غير أنها ذات سماكة عالية , وهي قابلة لنفاذ الضوء , وتتحمل الشد إلى درجة كبيرة . ويأتي الفليكس بعدة ألوان , غير أن اللون الأبيض منه هو الأكثر استخداما في مجال الدعاية والإعلان , وله العديد من الاستخدامات من أبرزها أن يكون وجها للافتات الإعلانية المضاءة .

وكان يستخدم قبل استخدامه في مجال الإعلان كأشرعة للقوارب واليخوت.

اما كيف كون ظهور هذه المادة تحولا كبيرا في صناعة الإعلان – فلعل مواصفات هذه المادة تبين ذلك , فهذه المادة تتميز بعدة مميزات هامة , وحلت العديد من المعضلات لدى الخطاطين ووكلات الدعاية والإعلان لعل من أبرزها :

1- ان هذه المادة تتميز بأنها تاتي بمقاسات كبيرة جدا أكبر من المقاسات التي توفرها الواح الإكريليك وغيرها .وبالتالي أصبح بالإمكان عمل لافتات ضخمة كان من المستحيل صناعتها بذلك الحجم قبل ظهور هذه المادة

2- مادة لينة يسهل العمل عليها دون الخشية من تلفها أو تكسرها .

3- سهولة وصلها ببعضها من خلال الخياطة والغراء , وليس بشرائح مرهقة كما هو الحال مع الاكريليك .

4- شدها بقوة بحيث لا يظهر عليها تموجات

5- عمرها الطويل مقارنة بأية مادة أخرى

6- خفتها ووضوح الكتابات عليها

7- سهولة تغييرها بأخرى عند تغير النشاط او بهتان وجهها .

8- استخدام الحديد كصناديق لها بدلا من الخشب سريع التلف والمتعب عند التصنيع .

وبالطبع فمع ظهور هذه المادة قد ظهرت مواد أخرى مرافقة أو مكملة لها , فقد ظهر ( البنر ) وهو مادة مشابهة للفليكس ولكنها أقل سماكة , وتستخدم بدلا عن القماش العادي الذي يكتب عليه العبارات الدعائية وتعليقه في الشوارع .

1- كما ظهر قبل ذلك ( الفينيل ) Vinyl

وهو مادة لاصقة تستخدم للكتابة على اللافتات بطريقة القص واللزق , وقد استخدمت قبل الفليكس فيس على الواح الاكريليك .

ثم ظهرت في نهاية المطاف ماكنات مثل الكاتر بروتر cutter ploter تقوم بقص الفينيل حاسوبيا , حسب أي شكل أو عبارة تخزن على الحاسوب .

المرحلة الخامسة : ثورة الطباعة الالكترونية

========================

لم يمر وقت طويل على ظهور الفليكس فيس إلا وبدأ بزوغ عصر جديد في عالم الدعاية والإعلان , وهو عصر الثورة الطباعية , والذي بدأ مع انطلاقة القرن الحادي والعشرين . فمع إطلالة هذا القرن تطورت تقنية الطباعة بشكل مذهل , كان لمجال الدعاية والإعلان نصيب الأسد منها .

ولذا فقد أصبحت عملية صنع لافتة تجارية أو إعلانية لا تستغرق إلا قليل من الوقت والجهد , ثم تحولت إلى صناعية بدلا من كونها فيما مضى فنية تحتاج إلى مهارة وخبرة عالية , وهكذا ظهرت عدة شركات ومعامل لصنع اللافتات لا علاقة لهم بالفن وخاصة ( الخط ) و ( الرسم ) , وأصبح بإمكان أي شخص صنع لافتة بكل يسر حتى لو كانت العبارات المدونة بها بلغة لا يتقنها, وظهرت طابعات ضخمة تطبع أي صورة أو شكل أراده العميل , وبأي مقاس شاء .

وبالتالي رخصت أسعار اللافتات الإعلانية إلى حد كبير , فكل شيء يتم بتصميم سريع على الحاسوب ثم يخرج العمل بعد وقت يسير بضغطة زر من خلال الطابعة .

العودة إلى فن الاعلان :

==============

استعرضنا فيما مضى مراحل نطور اللافتات الإعلانية من بداية العصر الحديث إلى ساعة كتابة هذا الموضوع , ورأينا تلك التغيرات التي طرأت على صناعة الإعلان الدعائي المكتوب , ولكن مع ذلك فلم تختفي كل الأنماط والوسائل الإعلانية كلما انتهى عصر وظهر آخر , فقد بقيت أنماط كثيرة من اللافتات حتى ولو كان بقاءها كنوع من الكلاكسيكية .

فما زلنا نرى في كثير من شوارع العالم لافتات جديدة بقيت على النمط القديم ولكن بتقنيات متطورة , وخاصة أعمال النيون القابل للتشكيل واللوحات ذات الحروف البارزة , وكذا اللافتات ذات الإطارات المتحركة .

وما هذا الاستمرار لمثل هذه الأنماط وتحديها لثورة التقدم الطباعي والتقني إلا لأن المجتمع الإنساني أبا أن يتقبل أن تكون صناعة الإعلان كأي صناعة أخرى , وان تنفصل كليا عن الفن والإبداع الإنساني , وان يكون المتلقي عبدا لما تصنعه الآلة ويخرجه شخص لا يملك ذرة من الذوق الفني .

ولذا فنحن عند التجول على سبيل المثال في أحد شوارع شيكاغو أو هوليود أو بكين … لازلنا نرى الإبداع الإعلاني في كل ركن وزاوية , فيشعر المرء براحة ومتعة وكأنه يتجول في معرض للفنون , وعلى الرغم من إزدحامات السير والضغط العصبي المتولد من ضوضاء المركبات وغيرها أصبح التجول في مثل هذه الشوارع نوع من المتعة , وهذا بعكس التجول في أي شارع من شوارعنا العربية مثل الرياض او دبي أو غيرها من المدن المتقدمة والغنية , حيث لا ترى إلا الجمود , ولا تستفيد من تجوالك في شوارعها إلا الضوضاء وأدخنة المركبات .

فتشعر حينها بالانقباض .. وتشعر بأنك في رحلة من العناء , فتسارع الخطى للعودة إلى بيتك بأسرع وقت ممكن.